"/> صباح الديوانية: ثقافية،

صباح الديوانية العدد 739

امرأة

هشام القيسي
استبقتني خلف معان لا يشهدها غيري
ولم تعلم أن الظل ليس في طفولته
أجل هكذا تُذكر كلماتي
فحين أمسك بها
وهذا الباب الكبير يُبخر صمتي
تواجه البداية
في آخر الليل الشاعر .
بعضي يطارد بعضي
يرفع الأسئلة إليّ
فبهذا الوقوف النائي
بات يعرف طوق العذاب
وبات يستقر على ما يشاء
 أهكذا يشاغل صدى الماضي
وهو يكرر فيّ
               أيامه الأولى

                            وخوفه بسخاء

صندوق دعم الاديب

عبد العزيز الناصري

المبدع مهما كان جنس ابداعه ، وفي شتى ميادين المعرفة يحترق قلبه شيئاً فشيئاً ، ويعاني ما يعاني من اجل ان يقدم طبق بهجة وسعادة للاخرين .
والمبدعون لم يكونوا عالماً آخراً محصناً من الازمات التي تطال الاخرين ، بل هم جزء من المجتمع ، وفئة لها دورها الايجابي والفعال .
كم من المبدعين والادباء تحديداً من نالهم العوز بشكل مقرف وترك آثاره في اجسادهم والبعض حتى في عقولهم ، فالادب لا يطعم خبزاً ولا يأكل الكاتب من فتاة اوراقه ، بل ظل اكثرهم يصارعون المرض والعوز المادي ، فيلجأون الى طرق شتى من اجل اكمال مسيرتهم الابداعية مما دفع بعضهم الى بيع مكتبته التي تعتبر اثمن ما يملك في حياته .
فطريق الابداع لم يكن سهلاً سالكاً يسيراً بل لعله الاكثر من غيره مزروعاً بالعقبات والازمات التي تهز كيان المبدع وقد تنتهي حياته وتوقف ابداعه .
والغريب وبالرغم من شهادة المسؤولين ومن لهم دور فعال في الحكومة والدولة بابداع المبدع وبانجازه الكبير لكنهم يغضون الطرف مما يعاني البعض منهم وقد يكتفوا ببرقية عزاء وحضور مجلس الفاتحة بعد ان يرحل مودعاً دنياه .
لذا تظل المطالبة بانشاء صندوق لمساعدة المبدعين لاسيما الادباء مسؤولية اتحاد الادباء المركز العام ، ولعل وزارة الثقافة هي المعني الاكبر في هذه القضية المهمة وعرض مشروع الصندوق هذا في جلسات مجلس الوزراء لاصدار قرار من شأنه ان يحمي الاديب وانجازه .
ولعلي اشير هنا سريعاً الى بعض الحالات التي شهدتها الساحة الادبية تحديداً ، حيث نجد كاتب قصة لسبب او لاخر ورغم ابداعه يعيش في حالة ضياع قاتل يستجدي لقمة عيشه وآخر وجد ميتاً في غرفة منزوية لا يعرفه احد ، وآخر دخل مستشفى الامراض العقلية وفارق الحياة هناك ، وآخرون اصابهم الادمان على الكحول مشردين في الازقة والدروب .

ولعل الحالة تتفاقم اذا لم تلتفت بشكل جاد الحكومة والمؤسسات الثقافية من اجل ايجاد مثل هذا الصندوق للحد من الازمات الخطيرة التي يعاني منها الاديب العراقي ، ولعلي لا اضيف شيئاً حينما اقول ان بلدنا بلد نفطي له من الخيرات ما يجعله محط حسد وغيرة الاخرين والاديب وهو واحد من ابناء هذا الوطن لم ينله من تلك الخيرات شيء ، لذا يكون هذا الصندوق منجاة له من ازماته التي تعصف بحياته بين حين وآخر . 
عبد العزيز الناصري

قصص قصيرة

صالح جبار خلفاوي

أسلاك الجمر

صبغت شعرها بلون شعورهم بدت مثلهم تحمل نفس الملامح تزيت بزيهم.. مشت على أسلاك الجمر.. داخلها ثقب عميق من الانحراف.. لم ينتهِ عزاؤها.. في القلب غصة لعالم قديم يرسو بوجع مقيت.. شجرة الظل تبقى وحيدة بلا أنيس.. لأن الفأس تجز الشعور

أوقات الغياب

ازرع نبتة من وردٍ لم يسم إلى الآن..ربما عشبة برية تغار.. أو سعفة نخل تهفو على الكرب بشعور مريب.. هناك حيث البحر يرمي بموجه على الساحل.. صوت نوارس بيضاء لا ينقطع.. في البرية الواسعة يقف رمح ينتظر قبضة ريح تحمله إلى مفازات تتيه عندها الشواطئ.. وما بين اضمحلال العصر ومجيء الغروب أوقات كثيرة تنتظر قدوم الغائبين.. لترسم على أكرة الباب صورة مسبحة تتدلى بشغف تعويذة.

تأمل

يخطو بتأن في الزقاق العتيق.. تفوح روائح ذكريات لا تتوقف عن النبض.. ذاك دكان جده.. على بُعد دارين.. عاش أول قصة حُب.. مازال الشباك يراقص نظراته.. شم عطر بخور.. تابع الطابوق المرصوف.. قبل أن ينهي جولته.. لمح ابتسامة خلف ذاك السور.. وصوت يندهه.. نبرات سمعها كثيراً.. تختلط في ذهنه مسارات تتلاقى عند رهبة متوجسة.. يستفيق.. جده يغلق باب المحل.. يمضي في الاتجاه الآخر.. ترتفع داخله هلوسة مفزعة.
مفترق طرق
أفكر أن أخرج.. أغير من نمط الرتابة.. الشوارع الفسيحة.. تكتظ بالسيارات المتوقفة جراء الازدحام.. شرطي المرور بلا صفارة.. الشمس تميل نحو الغروب.. يتمدد ظل البنايات.. وعند مفترق الطرق تكون شهقة صوتكِ أنصاف للنخلة الباسقة عند الاستدارة.

معاناة

ارتدى معطفه الثقيل.. الدراجة الهوائية المركونة بالقرب من السياج.. بلل هيكلها ضباب صباحي.. فرن الصمون أشعره بالدفء.. صوت مذياع يصدح بأدعية متكررة.. الرغيف الساخن يفتح الشهية للمضغ.. طفلته التي تحبو.. تبكي.. تريد حليباً من بقرة جارهم المتخم.

ذكريات

يخطو بتأنٍ في الزقاق العتيق.. تفوح روائح ذكريات لا تتوقف عن النبض.. ذاك دكان جده.. على بُعد دارين.. عاش أول قصة حُب.. ما زال الشباك يراقص نظراته.. شم عطر بخور.. تابع الطابوق المرصوف.. قبل ان ينهي جولته.. لمح ابتسامة خلف ذاك السور.. وصوت يندهه.. نبرات سمعها كثيراً.. تختلط في ذهنه مسارات تتلاقى عند رهبة متوجسة.. يستفيق.. جده يغلق باب المحل.. يمضي في الاتجاه الاخر.. ترتفع داخله هلوسة مفزعة.

صياد

ضوء ينعكس على سطح النهر.. يفجر شعاعا حاداً.. جسر منحنٍ نحو الضفة الأخرى.. يخفي تحته ظلاً يغطي سحب ماء.. الخيط الذي سحب السمكة من خياشيمها.. يعود لصياد غادر قبل صلاة الظهر.. لن يرجع إلا عند صلاة الفجر عندها تكون الأسماك قد رحلت.. ومياه كثيرة غادرت النقطة بلا عودة ترجى.
أرق متوارث
تتهادى نسمة باردة.. ما بين باب لم يوصد.. وجسدي المنكمش تحت وطأة انحسار الدثار.. في الزاوية قطة بيضاء تموء بصوت ضعيف.. المصباح المعلق أعلى الجدار ضوؤه متذبذب لعدم استقرار التيار.. يأتي نداء من الغرفة المجاورة : أما زلت مستيقظا أم عدت إلى النوم.. أتحسس فكي الأعلى لم تبقَ سوى أربع أسنان لا تجيد المضغ.. يعاود السؤال : الصمت يكرس مواء خافت.

شذى الفلاة


الصوت المنساب عبر بوابة الوجد.. لا يمكن ان يكون سيلا في فلاة.. نبراته تُحيي قلوبًا جَفّ نسغُها..أو احتمالاً لهالةٍ مستديرة يغفو فيها القمر.. حيث تضطجع زهرة بلون بصلي.. يفوح عطرها في أرجاءٍ لا تنُسى معالمها.. ابتداءً هي حصيلة نبتةً سُقيت بذات الماء الذي غَمر الصحراء.

غزارة المعنى في النص الصامت.... قراءة في نص السماح على إيقاع الرصاص


أطياف رشيد
يعتبر الكاتب صباح الانباري اول من وضع أسس كتابة المسرحيات الصامتة كجنس ادبي له مقوماته وخصوصياته التي حددها من خلال مقالاته وكتاباته النقدية ونصوصه التي جسد فيها حلمه في ان يجد المساحة الأدبية التي تناسب طموحاته واحلامه ، فالنص الصامت لابد ان يمتلك القدرة على المزاوجة بين فنين عريقين هما القصة والمسرح ، مهتما جدا بالطاقة الكامنة في الايماءة والحركة وامكانية تحول الشكل القصصي الى الشكل الدرامي الصامت دون الحاجة الى الاستعانة بالحوار والكلمات ، كما اعتمد بكثير من نصوصه على الصوت ولكن ليس الصوت البشري بل هي ضربات الصنج والصراخ والبرق والموسيقى وأيضا صراخ الحشود ، كل ذلك كان في خدمة نصوصه ،بل في خدمة مشروعه الادبي وهو مشروع تفرد وتميز باصرار ومثابرة الكاتب .
الذاكرة الخارقة
ومسرح الانباري هو ( المسرح الذي يفعل الداخل الإنساني المهمل ويحاول ان يركز على الذاكرة الخارقة التي تستفز المدرك العقلي بعد توظيفها لمنظومة حركية ذات دلالات معرفية تؤسس مرتكزاتها المعرفية في رؤيته لمفهوم خطابها من خلال رسومات اشتغالها الايمائي الفاعل الذي رسمه المؤلف او المخرج في آلية خلق الطاقة الداخلية لدى الممثل ) .
الحركة والفعل
اذن النصوص الصوامت هي نصوص ترتكز بالأساس على رسم المنظومة الحركية لتفعيل الدلالات وتفجير المنظومة الادراكية الجاهزة وغرس المعنى المبني وفق تشكيل حركي وانفعالي جمالي دقيق . اذن نحن امام بناء صوري يعتمد في تخليق معناه ودلالاته على تفجير الطاقة الكامنة في توجيه الفعل والحركة الصامتة الى منطقة القول ، ولكنه القول عبر صراع دال يتمخض عنه المعنى في شكل صورة . البناء هذا كما يقول الكاتب صباح الانباري نفسه سوف يعتمد في اشتغاله ( على التشكيل الصوري واعتماده كأداة من ادواته الأساسية . فالصورة تحتاج الى فعل ، والفعل يحتاج الى حركة والحركة تتأسس على رغبة وهدف ) .
رسم الشخصيات
وفي النص قيد القراءة السماح على إيقاع الرصاص يحضر المعنى قويا ضاجا بعنفوان الحركة والفعل ،ويبرز العنوان الكثير مما عمد الكتب ان يشير اليه ، كما ان اختيار نمط الشخصيات الرامز دفعت بالامكانيات التحليلية للخطاب الصامت الى اقصى حد من التفجير الدلالي . والمسرحية رسمت الشخصيات بكثير من العناية لتعرف عن نفسها سواء من خلال الوصف لها من قبل الكاتب او من خلال الحركة والفعل الذين تقوم بهما فتكشف عن ابعادها النفسية والفكرية ،الشخصيات المرسومة عند اول النص وتلك التي ميزها ضمن الوصف الداخلي للحركة والفعل حددت لنا مسار اتجاه إيقاع النص ومسار القصة . فالشخصية الأولى : الرجل الأصفر التي ميزها الكاتب باللون الأصفر ( يرتدي الملابس الصفراء من قمة رأسه الى اخمص قدميه ) هذه الشخصية لتكون بمثابة الموجه لباقي الشخصيات حينا وبمثابة الراوي للاحداث التاريخية حينا آخر ، ثم مجموعة من الشيوخ ،مجموعة من الشباب ،الرجل ذو الرأس البيضوي ومجموعة اتباع الرجل الاشداء وجلادين اثنين .
رقصة الجيلين
يبدأ النص حين يبدأ الرجل الأصفر يعطي الأوامر برقصة السماح لكلا الفريقين الشيوخ والشباب من اجل ان يتواصل الجيلان ويندمجا في ردم الفراغ او الخلاف فيما بينهما ، الامر الذي يجعله يعطي الأوامر ببدء الرقصة أولا للشيوخ وحدهم ثم للشباب وحده ومن ثم يعطي الإشارة بالرقص معا في إشارة لتواشج العلاقات بين الفريقين / الجيلين ، واندماج أفكارهم وذوبانها في غمرة رقصة للسماح والمحبة ، حيث ( يرفع كلتا يديه مثل قائد أوركسترا ويحركهما كإشارة لبدء رقصة السماح ثم يظل في مكانه ،تؤدي مجموعة الشيوخ رقصة السماح على الطريقة التقليدية فترة تحددها إشارة الرجل الأصفر اللاحقة ، وبإشارة منه أيضا تبدأ مجموعة الشباب أداء رقصة السماح بطريقة حديثة بينما الرجل الأصفر في وقفته بلا حراك حتى يكرر الإشارة بالتوقف والبدء بالرقص من قبل المجموعتين معا ، يرقصون ويرقصون ثم يندمجون في رقصهم مع الرجل الأصفر كل في مكانه ، المجموعة الأولى على يمينه والمجموعة الثانية على يساره. ) .
عودة الحياة
هكذا يقدم لنا الانباري طبيعة المشهد في بدايته، بل ثيمة القصة والحكاية في مطلعها وبزوغها من اجل ان يبني لاحقا تطورات الاحداث راسما بالحركات كل عناصر المشهد وتفاصيله ، ومن اجل ان يذهب الى الخطوة التالية في كشف الاتي يمنح الكاتب الشخصية الرئيسية الرجل الأصفر دوره البالغ في فتح مغاليق رقصه والتي بامكانه ان يرويها دونما كلمات ( من خلال تفعيل النسق الحركية والايمائية التي تضمنها مسار القصة ) ، فبعد ان يكدر صفوهم ورقصتهم وانسجامهم أصوات الرصاص القادم من كل الجهات يمنحهم الإشارة بمعاودة الرقص ، معاودة الحياة، ومعاودة المحبة ، والنهوض ، بل ان يزحفوا بكل الاتجاهات الى ان يتوقف صوت الرصاص .

وهل تكتفي القوى الخارجية بهدير الرصاص لمنع ووقف رقصة السماح والحياة ،لا ، لان عاصفة هوجاء تضرب بالراقصين تهزهم بعنف وتحاول اسقاطهم ورغم قوتها وعنفها يقفون من جديد ، ويعانق بعضهم بعضا لينسحب الرجل الأصفر الى دكة تراثيه حلبية ليقوم مقام الراوي الذي يذكر بتاريخ مضى من تسلط وديكتاتورية ماضية تسلطت بجلاديها على رقاب الناس واخذت منهم احمل السنوات ،وثمار الحياة الزاهرة . 

المنجز القصصي لعلي السباعي… سرديات النهل من الموروث

المنجز القصصي لعلي السباعي… سرديات النهل من الموروث

احمد الشيخاوي
إذا كانت الرواية في أبسط توصيفاتها، أقلّه بالنسبة لنا فيما يطبع فصول ،مشهدنا الإبداعي العربي، يرتكز على القصيدة بوصفها ديوان العرب،كما هو شائع ومعروف، هي، أي الرواية مجرد دخيل ووافد، مع أن اغلب التجارب اليوم باتت تنزع صوب هذا الجنس التعبيري، وتسخّر له الجوائز والأموال ،لتحفيز الكتابة فيه والانتماء إليه.
منتج روائي
علما أنّ ثمة إشكالات جمة تطرح ،وأسئلة غزيرة،لم تزل عالقة، دون وجود إجابات شافية لها، لحد الآن فيما يرتبط بجدلية التقليد وخصوصية بصمة المنتج الروائي العربي.
أنّ جنس الرواية مهما سطعت أنجمه في سماء مشهدنا الأدبي، يقبع في قفص اتهام، ويرميه المهتمون بأجناسية الأدب وأشكاله،بلعنة التبعية للآخر وتقليده، تكريسا لصوت غريب عن أبجديات لغة الضاد وهويتها.
لا يعني هذا أني ضد الرواية، كون الانفتاح ضرورة وجودية ،ولا تطور للمجتمعات في غيابها أو إغفال وظيفتها، لكني ضد من يهجرون الشعر والقصة باعتبارهما دعامتين أساسيتين ، في الهوية الثقافية العربية ،إجمالا، خاصة، إذا كان مثل هؤلاء، قادرين على العطاء فيهما، ليسقطا بالنهاية في فخّ تصنع الكتابة الروائية، ويهيمن وازعهم التجاري، في هذا المضمار، وتعطّشهم إلى الجوائز السخية المعدة أصلا لأهداف خسيسة، مخربة للعقل العربي، عاصفة بروح القصة والشعر.
منظومة جديدة
يعد القاص العراقي علي السباعي، أحد أبرز الأصوات، التي أخرجت السرد العربي من كلاسيكيته، وأسست لمنظومة مفاهيمية جديدة، تخلخل قناعاتنا، ومجمل ما تنشدّ إليه الذاكرة العربية، في لحمتها بهذا الفن الذي يحلّ ثانيا،من حيث التراتبية، لا المفاضلة، في الحقل الأدبي العربي والثقافي على حد سواء.
كونه استطاع الخروج، بالذائقة والوعي ضمن الحدود التواصلية، مع هذا النوع التعبيري الذي هو القصة والأقصوصة، ، إلى آفاق أرحب للكتابة.
إنه فكاك نوعي وموضعي ،من مأزق قشيب السرد وقواعده المرتكنة إلى أس عقلي رجعي وماضوي، منزو ومغلق بالتمام، يرفض الانفتاح كشرط أساسي للخدمة الإبداعية، على نطاق إنساني لام.

دلالة المعنى
نقرأ لعلي السباعي، في موضع من مجموعة ( بنات الخائبات) قوله:[ أثناء ذلك حضر جنوده، وجوههم واحدة ، أشبه بلوحة جمهور بلا وجوه للفنان تسونهيسا كيموا، برفقتهم فتاة ترتدي عباءة سوداء فوق بدلة زفافها يحيط بها الجنود مثل إحاطة الغيوم بالبدر، سألت ذات يوم جدّتي لأمي: ”لماذا ترتدي العروس ليلة زفافها بدلة بيضاء؟”. قالت جدتي : ” أن الأرواح الشريرة تحلق ليلة الزفاف بكثرة فوق رأس العروس، لذا ترتدي العروس بدلة بيضاء تطرد بها الأرواح الشريرة لكون الأرواح الشريرة تخاف البياض.
وإذن من نظير هذه الأسلوبية، وانبثاقا عنها، تتولد دوال معنى المختلف ،في الكتابة السردية العراقية عموما، ولدى علي السباعي بشكل خاص.
معنى تزلزل وتفكك وعينا في جملة ما حقنتنا إياه قصص ضاربة في الأرشيف القصصي العربي، على اختلاف وتنوع خطاباته، مقدّسة كانت أم رمزية أم قائمة على الاصطدام الحضاري، في دورته الفلكية، وكذلك زخم التعالق مع التجارب الإنسانية الأخرى،ومن ثم رفد التاريخ الجمالي والأدبي المعرفي، تبعا لتعاقب وتوالي الحساسيات والأجيال.
المأساة المكررة
في مدينة عريقة كبغداد، ووطن كالعراق، لا معنى للبياض الأليق بأعياد التاريخ العربي في ذبحاته المكرورة، وأعياده نزيف إنسانية الكائن وانكسار هويته ، عند عتبات الإيديولوجية المنقوشة بغطرسة وسادية الطغاة، سوى ذلكم المعنى المتسامي بالبياض، درجات في الغيب والجنائزية والغرائبية ، المُشعرنة للواقعي، تماما، كما يحصل مع علي السباعي ،وثلة من طينته، سواء في المجايلين له، أو من سبقوه، أو في سرب من يجدفون وفقا لتيار القصيدة الحداثية التي وهبت نفسها ، لما راح يدعي ” ميليشيا الثقافة” في تمجيد رهيب للخراب ،ونضال مستعر ضد راهن الدموية والفوضى والاضطراب.
نقتبس له، من موضع آخر، عن مجموعة (زليخات يوسف) ،الومضة التالية: [ تخلصت مريم حبيبتك من ذاتها ـــــــ فرديتها وتوحّدت معك ،خرجت ذاتها لتدخل بذاتك ،غادرت حبيبتك ظمأها إلى ارتوائك،إلى وجودها المليء بك…لهذا أصبحت كما يصفك ابن عربي…

الموروث الراهن
باعتماد كهذه تقنيات وميكانيزمات، تكتمل خيوط اللعبة السردية، لدى القاص علي السباعي، كإنسان واع جدا بقوانين وقيود وإكراهات الراهن، وكذات في ظمأ سرمدي، لينابيع الموروث، بحيث لا يكّف ينهل من عوالم الموغل في الذاكرة،ليستثمره استثمارا ذكيا، حسب ما تنتج عنه لغة جديدة ومعانٍ قريبة جدا من الادراك العربي،متوسلا خطابا الانغماس في كتابة نوعية مختلفة، تحتفي بالبياض وترسم عوالم للمعنى الشارد أو الهارب، مثلما ترسمه،ذات مشكّكة وقلقة،تدفع بثقافة البياض ،في انجذاب واع، إلى أولويات الانتماء، آفاقا واعدة ونضرة تزرع في عقل وقلب المتلقي العربي، حيثما تواجد، آمل كتابة البياض والثأر، لا كما تمليهما الذاكرة، وإن انتعشت الأنامل بمخزونها، لا بل كتابة ذات تتنفّس ملء الرئة، فن القصة،وترتقي به فوق الحياة ،كعنوان فلسفي ووجودي،لعالم نناضل من أجل قلب معاييره وبتر يد سلطته،انقلابا إبداعيا يمنح البياض والثأر طوباوية وغائية أكثر.





سطوٌ على مملكةِ الكلماتِ ..

سعد الساعدي ..
سرقوا حروفي من بقايا أدمعي ،
وبينَ طيّاتِ التقى
ضحكوا على موجٍ مسافرٍ
لا دفء يُنضِجُ أرغفةَ الهديرِ ،
لا لون فيها ،
يكتبُ الاسماءَ بأطرافِ المكاحلِ
في كلّ زاويةٍ
حُفرتْ خنادقُ
تبحثُ ..
عن ملاذٍ مستكينٍ .
صوتُ الطّبولِ الماكراتِ
أعْمى كلَّ شبرٍ من دمي ،
ومعي ..
تنوحُ أوراقُ النّخيلِ
كانت تناغي وردةً في ما مضى ،
واليوم ..
تسألُ عن رحيلي
فرسانُها صَمَتت ،
و شاطئٌ موفورُ الجمالِ
هجرتهُ أصدافٌ عذارى
بعدَ أنْ ..
هرَبَت من الأقدامِ ليلاً
تبحثُ عن خليلٍ في ضبابٍ ، أو سرابٍ !
في صورةِ الجدرانِ ..
أصوتٌ تنادي رملها
بلا صدى ،
وفوقَ لوحةِ أبنتي ..
سهمٌ يشير الى الغيابِ
حيثُ مثوى غربتي ..



قصّتان قصيرتان


جابر خليفة جابر  
نور يريدُ أباه
– بابا ، لماذا تذهب ؟ ابق معنا ، عفيه بابا.. أكمل الأب ارتداء بسطاله وقام، فتعلق الصغير به..
– حبيبي لابد من الذهاب وسآتي لك بهدية حلوة.
– لا، لا بابا، ابق، إذا ما تبقى أزعل عليك. وبكى..
نظر إلى زوجته الشابة حائرا وفي عينيه دمعة ، ثم إلى السماء..
– بابا إذا ما أذهب سيزعل القمر ، أنظر إليه إنه يرانا ويسلم عليك.
– لماذا يزعل ؟ القمر حلو ما يزعل.
– لا لا حبيبي يزعل لأنه يريدني كي يرسل لك هدية، وإذا ما تقبل سيزعل، ، يا الله حبيبي نام، سأذهب إليه وآتي بهديتك.
قبله وحمله إلى فراشه ، ثم احتضن زوجته وخرج ،وكان الظلام على ضفة النهر خفيفا..
طال انتظار الصغير ليال عدة حتى اختفى القمر فسأل أمه:
– أين بابا وأين القمر؟
– سيأتيان معا تعال نم يا حبيبي.
بعد ليال عاد القمر ولم يعد أبوه فبكى ، بكى كثيرا وتعب ونام ، أراد أن ينام ، لكن الناس دخلوا بيتهم يتصايحون والجيران تجمعوا وكانوا يبكون وهو متعب ويريد أن ينام ، لا يريد أن يبكي ، لكنهم كانوا يبكون، وخرجوا، أمه خرجت وأخذنه معها ، كان خائفا وظل يرتجف من الخوف، قالوا إلى المغتسل سمعهم وخاف، ساروا بمحاذاة النهر وكان المد عاليا ، كان خائفا ويبكي حين رأى نورا يسبح في النهر ويتراقص فوقه، فسكت ونسي بكاءه، انتبه إليه، إمش إمش، أمه تجره، ورأى أباه على الماء، يتراقص ايضا، ورأى الهدية بيده ..
– ماما، هذا القمر، انظري هذاك بابا معه، انظري..
لم تسمعه ولم تنتبه إليه، حتى حين أفلت من يدها لم تنتبه، وركض، ركض تجاه القمر.

صحن طائر
الصبي قصير، أقصر من السياج، السياج طويل، طويل، مطلي بالأسمنت الملون وواطيء، أوطأ من الظل..
الظل نحيف وشاحب كالسياج.
السياج مصبوغ بالأصفر الباهت.
قارن الصبي بين ظله وبين السياج وسار تجاه بوابة مدينة الألعاب.
لم يكن يملك ثمن بطاقة الدخول ، كان السياج طويلا، ليس لديه أية نقود، لكنه سار، وكان السياج طويلا وأصفر..
قريبا من البوابة، على السياج ، ارتطم ظله برسوم زاهية لسيارات تصادم، دواليب أطفال، زوارق، خيول خشبية دوارة، صحن طائر..
الصحن كثير المقاعد، دائري، ملون وبراق.
الظل شاحب والصحن الطائر براق ومصبوغ بالرماني ، استقر الظل على أقرب مقاعد الصحن، انبثقت منه يدان امسكتا بالمقود..
وثب الصبي على أقرب مقاعد الصحن، وثب بفرح وبقوة، لكنه اصطدم بالسياج ، هوى أسفله بصمت، تاركا عليه ، على السياج الأصفر الباهت بقعة دم حمراء صغيرة ، ومنها ، انطلق ظله على صحن رماني طائر..


 

رغيف الشاعر

حسن صكبان
عندما تدور المطحنة
او يدور القلم
فمن المستحسن ان تأتوا بغربال
فالطحين ربما يكون :
حنطة او شعيراً
وربما يكون قلباً
تكلس في وقت ما
ولاكته المطحنة
لكن .. في كل الاحوال
ستحصلون على الدقيق
دقيق .. مروقاس
مخلوط بالدم والدموع
مؤكد سينفعكم .. خذوه .. !
سيقيم اودكم
في ظلامات الزمن
او عند
منعطفاته القاسية
او في الليالي السوداء
اذ يغيب القمر وتغيب النجوم
عندها .. سيكون بانتظاركم
متألق ولذيذ
كأشهى رغيف
على مائدة الخيبات ...


النقد الاجتماعي في الشعر والرواية

عبد العزيز الناصري

الاديب شاعراً كان ام روائياً يظل ابن بيئته شاء ام ابى ... والا يظل منجزه الادبي سطحياً لا يمتلك مقومات القوة والثبات والتأثير في ذاكرة المتلقي .. وهذا ما يراه المفكر المجري جورج لوكافش وهو واحد من اهم اعلام المنهج الاجتماعي في الادب حينما قال : ان الادب يعكس الواقع الاجتماعي والاقتصادي ... لذا يصبح المنتج الادبي جزءاً لا يتجزأ عن السياق الاجتماعي والواقع المعاش .. فهو اساساً يعتبر نقداً تقويمياً يقوي المنجز الادبي ويرفع من شأنه .
وعلى هذا الاساس نجد ارتباطاً وثيقاً بين الادب والمجتمع كون الادب يعد سلاحاً ذا حدين له دور ريادي في التقويم الاجتماعي اولا الى جانب كونه معياراً لجودة النص الادبي ولعل الشاعر العراقي المعروف معروف الرصافي شعر بالواقع السياسي الذي يخيم على البلاد آنذاك فتقبله بصورة واقعية تجسدت بوضوح تام امام المتلقي وهو يردد :
انا بالحكومة والسياسة اعرف
االام في تفنيدها واعنف
علم ودستور ومجلس امة
كل عن المعنى الصحيح محرف
ولعل شعر احمد مطر هو مثال آخر مميز عن اتباع المنهج الاجتماعي في الادب فكل قصائده تنفذ الظواهر الاجتماعية سواء كانت سياسية او اقتصادية او عرفية .
والنقد الاجتماعي لم يكن وليد الساعة ، بل يعد بعض الباحثين ان بدايته وانطلاقته في بدايات القرن العشرين حينما ظهرت بعض الافكار الماركسية والوجودية والتي غزت المجتمع بشكل كبير .. لكن النقد الاجتماعي الادبي يمتد ربما الى عهود طويلة تصل الى عهد الادب الجاهلي بشكل او بآخر ، فهناك صور نقلها الشعر الجاهلي هي ظواهر اجتماعية سادت انذاك فيذم بعضها ويمدح اخرى ،والمنهج ذاته تمثل في الادب العباسي والاموي وحتى في هذه العصور المتأخرة .

ولعل الرواية سواء في الادب الغربي او الادب العربي تتخذ من النقد الاجتماعي غرضاً مهماً من اغراضها فالقصة والرواية في مفهومها الاصطلاحي تتقصى الاحداث والوقائع الاجتماعية لتنقلها بشكل او بآخر مع محاولة تقويم بعض الانحرافات في السلوك الاجتماعي المصاحب لتلك الاحداث والوقائع ... وهذا مانجده في روايات الغرب ، كما في رواية (قصة مدينتين) لشارلزدكنر والتي تمثل معاناة الطبقة العاملة الفرنسية تحت القمع الوحشي الارستقراطي الذي قاد الى الثورة الفرنسية ، ولعل نجيب محفوظ اكثر من غيره في تصوير الواقع الاجتماعي المصري من عادات وتقاليد واعراف سادت في زمن ما ... من هنا تتجلى صورة النقد الاجتماعي في الشعر والرواية وتأثيره في الواقع المعاش واتخاذه معياراً في تقويم النص الادبي واعطاء الهوية الابداعية للكاتب والشاعر .  

الرقص على إيقاع الغياب.. التناص البنيوي في أدب الحرب


احمد عواد الخزاعي
التناص من وجهة نظر بنيوية يعرف على انه أي ظاهرة اجتماعية وسياسية يجب أن تدرس داخل النص الأدبي، لان التاريخ يجتمع داخل النصوص الجديدة.. لذا يعد أدب الحرب جزء مهم من هذه الرؤية التوصيفية، كونه يسلط الضوء على حقب تاريخية عاشتها الشعوب في ظل ظروف استثنائية وعصيبة ولدت أنماطاً حياتية مغايرة للمألوف وفرضت على الإنسان واقع لامناص من مواجهته والتأقلم معه سلبا أو إيجابا، وأصبحت فيما بعد جزءا مهما من التاريخ الإنساني..في رواية (الرقص على إيقاع الغياب) للروائي عادل المعموري الصادرة سنة 2018 عن دار أمل،
تعدد الاصوات
نجده قد اقترب من هذا المعنى بصورة كبيرة، حيث لامست روايته عدة تجارب إنسانية مختلفة صهرت في بوتقة الحرب، مستخدما أسلوب الأصوات المتعددة فقد توزع السرد بين الأبطال الثلاثة بحسب، أهميتهم من الحدث المسرود، والزاوية التي يطلون منها عليه، ودرجة تأثيرهم وتأثرهم فيه.. فقدم لنا الكاتب رواية (بوليفونية) برؤية أحادية، فلم تخرج آراء وتصورات أبطالها عن رفض الحرب وازدرائها، كونهم ضحايا لها بطرق مختلفة تبعا للظروف التي عاشوها في ظلها، اعتمد الكاتب تقنية السارد الضمني، الذي يعرف جزء من الحقيقة، وأسلوب الخطاب المباشر للقارئ، لإيصال الصورة والحدث، مانحا نصه كما كبيرا من المصداقية والتعاطف لدى القراء، عبر أمرين مهمين هما :
الأول: جعل السارد داخلي، أي انه ركن من المبنى الحكائي، يروي جزء من تجربته الحياتية في ظل الحرب وتداعياتها.
ثانيا: الواقعية المفرطة في ذكر التفاصيل الدقيقة التي منحت النص بعدا انطباعيا، مثل ( ذكر أسماء لأشخاص هامشيون في النص، ذكر تفاصيل دقيقة تمثل جزء من الواقع الاجتماعي والحياتي العراقي) .. لكنها لا تؤثر على سير الأحداث في النص، حيث حمل النص في بعض محطاته انطباعية مفرطة، حد الدخول في تفاصيل حياتية غير مهمة، والتركيز على الوصف والإشارة إلى بعض الأشياء، التي لا تحمل أي تأثير على النص، ولا على قصديته.. لكنها منحته حميمية ومصداقية سعى الكاتب إلى ترسيخها عبر هذا الأسلوب.

ابطال الرواية
تبدأ الرواية بعنوان فرعي ( جميلة) وهي البطلة الرئيسية للنص، ثم نلج الرواية عبر منلوج داخلي تعريفي طويل للبطلة، تسلط فيه الضوء على أهم محطات حياتها البائسة، طفولتها ومستواها التعليمي والثقافي، ونشأتها الاجتماعية، وطبيعة العلائق الاجتماعية التي عاشت في كنفها، استخدم الكاتب فيها تقنيات ( الاستذكار والاسترجاع والاختزال والقفز عبر عنصر الزمن) وهذه التقنيات تتكرر عبر منلوجات مشابهة للبطلين الآخرين (سالمة ونبيل).
جميلة المرأة المحبطة نتيجة فقدها لزوجها في الحرب العراقية الإيرانية، تعاني الوحدة القسرية والغربة الروحية، وعقدة نقص لازمتها منذ طفولتها، وهي شكلها المتواضع، حتمت عليها هذه المعطيات أن تعيش وفق نسق حياتي كئيب ورتيب مع أمها المريضة وأخيها نبيل الهارب من الحرب، والمختبئ في إحدى غرف المنزل، حجم المأساة التي عاشتها جميلة، حولت من سالمة جارتهم الجديدة إلى (قرين) ملازم لها، ترتبط معه بكثير من حلقات الوصل والمشتركات منها:
1- كلتاهما ضحية لتجربة إنسانية صعبة، آلت إلى الفشل، جميلة فقدت زوجها في الحرب وظلت أرملة تعيش على هامش الحياة ، لا تمتلك المؤهلات لتعيش تجربة أخرى.. وسالمة كانت ضحية لتجربة حب فاشلة مع زميل لها في الدراسة، وقعت فيها بالمحظور، لينتهي بها المطاف، زوجة لرجل تتقاطع معه إيديولوجيا، كونه من الكوادر المتقدمة للحزب الحاكم آنذاك ، ويكبرها بعشرين عام.
2- كانتا تشعران بالوحدة والغربة والهزيمة والإحباط.
3- كلتاهما قارئتان ومثقفتان.
حوارية النفس والجسد
لذا حاولت جميلة أن تعوض بعضا من فشلها في سالمة، عندما عمدت إلى ربط الأخيرة بعلاقة سرية مع أخيها نبيل، كجزء من حالة تعويض نفسية وجسدية، وقد تجلى هذا الشعور في المشهد الذي يصور جميلة وهي تراقب نبيل مع سالمة، وهما يعيشان لحظات حميمية ساخنة .

ويستمر النص على هذا المبنى الحكائي، عبر إبداء الأبطال لآرائهم وتصوراتهم على مجريات الأحداث المحيطة بهم، واستذكار جزء من ماضيهم القريب، ومحاولة توظيف مخاوفهم للحفاظ على سلامتهم لخشيتهم الدائمة من الحرب وتداعياتها.. فقد امتلك أبطال النص الثلاثة وعيا قائما، يقفون به تجاه أزماتهم النفسية والاجتماعية والوضع السياسي القائم آنذاك، هذا الوعي وقف عاجزا على إيجاد حلول لمشاكلهم، أو لتحقيق جزء من أمنياتهم ورغباتهم، كونه وعي مدرك يتعاطى مع الواقع الفج بأدوات الحاضر، لذلك نجدهم على امتداد النص كانوا أناسا عاجزين لا يمتلكون ادني تصور عن مستقبلهم، وما ستؤول إليه مصائرهم.. وفي خضم أحداث الرواية يُعرج الكاتب إلى صياغة نهاية واقعية، ذات سياق تراتبي، ووضعها ضمن إطار دراماتيكي يتلاءم مع الوجه العام للنص، الذي ساده الحزن والخوف والترقب والحرمان.. يُلقى القبض على نبيل بعد أن يكتشف زوج سالمة سر علاقتهما، وتموت أمه على اثر هذا الحادث المؤلم، ويؤل مصير سالمة إلى المجهول، بعد أن تختفي من بيتها..لتبقى جميلة وحيدة، تجتر ماضيها الحزين وحاضرها البائس، لينتهي النص كما بدأ.

قصة قصيرة... الغدر


تحسين علي كريدي 


بعد حلول منتصف الليل بقليل، اشتعلت الجبهة، ولكن على نحو مختلف هذه المرة.. إذ صوب طرفا القتال نيران أسلحتهما بغزارة نحو السماء، وكأنهما تعرضا إلى غزو كائن فضائي.. حدث ذ
لك بعد ورود خبر قبول الهدنة.
كان شعوري بالفرح غامرا، غير مصدق لفكرة أني سأخلع البزة العسكرية عما قريب، وأن أحظى بوظيفة (مدرس) في أغلب الظن، كوني خريج كلية التربية. وأن أتقدم لخطبة حبيبتي.
في اليوم التالي جاءنا أمر بالتقدم عبر الأرض الحرام، وأن نتخذ موضعا عند حدودنا الدولية.
شققنا طريقنا بحذر وتوجس شديدين، خوفا من الوقوع في حقل للألغام أو التعثر بالرؤوس الحربية غير المنفلقة، ولكن أيضا، بسبب تقدم مجموعة من خصومنا السابقين، ولنفس الغرض على ما يبدو.
أصبح موضعنا الجديد لا يفصله عن موضعهم، إلا بضعة عشرات من الأمتار. وكان يتملكني فضول شديد، لمعرفة أعدائنا السابقين، الذين كانت رسائلهم تصلنا قبل يوم، على شكل رصاص وقذائف..
عندما نهضت فجر اليوم التالي لتسلم نوبتي في الحراسة، حياني أحدهم، (سب بخير)، فرددت عليه التحية.. وكانت تلك فاتحة لاتصالات حدثت لاحقا بيننا، إذ زارتنا مجموعة منهم، يتقدمهم جندي أحوازي تولى ترجمة أحاديثنا.
كانوا شبابا ظرفاء، أحدهم يدعى عباس، على اسمي. وسرعان ما توطدت العلاقة بيني وبينه، تحدثنا حول كل شيء ما خلا السياسة.. عن عائلاتنا.. عن أحلامنا.. عن خطيبته التي سيقترن بها عما قريب، وحدثته عن حبيبتي. لعبنا كرة القدم، وشربنا الشاي. وتبادلنا الزيارات، ومضى أسبوعان ونحن على تلك الحال..
كانت الشمس تنحدر سريعا نحو خط الأفق، وكنت أتسامر مع عباس، عندما شق الهدوء المخيم على الأرجاء، هدير سيارة عسكرية، متجهة صوبنا، وتوقفت تماما قربنا.
ترجل منها ملازم في الاستخبارات، وأمرني بأسر عباس، وسط انذهالنا ودهشتنا.
لم أصدق الأمر أول وهلة، لكن هيئته الصارمة، ومسدسه المشهر في وجوه عباس، لم يتركا في نفسي أدنى ريب في صدق نواياه.

لم يدر في خلدي مطلقا، أن شرور البشر باستطاعتها تقسيم هذه الجغرافيا الموحدة منذ عصور سبقت نشوء البشرية ذاتها بكثير، وأن بضعة أمتار تخطتها قدم عباس، ستجهض حلمه بالاقتران من خطيبته وتفسد له حياته..
كنت مرغما على تنفيذ الأمر. وكان قلبي يتقطع ألما وأنا أشد وثاقه، متحاشيا نظرات الدهشة والعتاب في عينيه..

Top