"/> تمظهرات الجوع .. في سرديات الشاعر «عامر الساعدي» (الخامسة... جوعاً) | صباح الديوانية

صباح الديوانية العدد 739



  • حسين عجيل الساعدي

الأدب بكل تلاوينه يتخذ اللغة أداة ومادة أبداع، وهو عموماً إنعكاس للهم الإنساني، كاشفاً عن قضايا الإنسان ومشكلاته وقلقه الوجودي، والسرد جنس أدبي دُرج ضمن المفاهيم الحديثة في الساحة النقدية، لـه سماته الخاصة به، كنمط تعبيري عن الذات والواقع، فكثر تداوله في الدراسات النقدية العربية المعاصرة، في إطار حركة الحداثة الشعرية، التي خرقت البنية الشعرية التقليدية وشكلانيتها وأقصاء مقوماتها الشعرية، بمستحدث شعري جديد كواقع تميزت به معظم النصوص الشعرية العربية، فأحدثت تداخل بين النص الشعري والخطاب السردي. 
((للذين لا يعرفون عن الإيديولوجيا غير رغيف الخبز)) 
الشاعر «عيسى حسن الياسري»

والسرد لايمكن حصره في جنس أدبي معين، وإنما هو سمة (الخطاب اللغوي) بشكله العام، وأداة من أدوات التعبير . 

سرديات شاعر
المرتكز المحوري في سرديات الشاعر «عامر الساعدي» يكمن في ثيمة سردية بارزة ألا وهي (الجوع)، ك(قضية) ومركز دلالي أختزالي في الخطاب السردي لمجموعته الشعرية. وموضوعة الجوع لا تتحدث عن مجتمع دون أخر، ولا فترة تاريخية دون أخرى، بل هي مشكلة تأخذ جوانب ومظاهر مختلفة، تبلور مأساة الإنسانية في بنيتها الأجتماعية والفكرية، وأدانة صريحة لبؤس الحضارة المادية بمظاهرها المختلفة، ليس من خلال فكرة (الجوع) بحد ذاتها فحسب، بل الأثر الذي تتركه توابع الجوع على الحياة الانسان المعاصر، الذي تجاوز الأثر الفسيولوجي الذي يوهن الجسد، إلى الأثر السايكولوجي وما يعكسه من فهم يرتقي إلى مستوى (القضية الإنسانية)، وما يعانيه الإنسان من قلق وجودي، وحرمان، وألم، وأنحرافات سلوكية. 

معالجة الجوع
أن موضوعة الجوع عُولجت في الكثير من الروايات والمجاميع الشعرية كـ(آفة أجتماعية)، وجُعلت ثيمة مُنحت لأعمال روائية وشعرية، مثل رواية (الجوع) للروائي النرويجي «كنوت هامسون»، ورواية (لازمة الجوع) للروائي الفرنسي «جان ماري لوكلوزيو»، ورواية (بيوغرافيا الجوع) للروائية البلجيكية «آميلي نوثومب»، ورواية (دروب الجوع) للروائي البرازيلي «خورخي امادو»، ورواية (الجوع) للروائي المصري «محمد البساطي». كذلك نرى تجليات الجوع عند الشعراء «بدر شاكر السياب»، و»عبد الوهاب البياتي»، و»نزار قباني»، و»محمود درويش»، و»أحمد مطر»، و»أمل دنقل»، و» عبد الله البردوني» وغيرهم الكثير، الذين صاغوا قضية الجوع في قالب شعري، ورسموا صورة تعبيرية عن حالته، تقمصوا بها صوت الجياع، فكان له المساحة الكبيرة في نصوصهم. فأن أي مقاربة للجوع في هذه الروايات والنصوص الشعرية المختلفة لها دلالة مهمة وهي أن الجوع (ليس إلا موقفاً أيديولوجياً) في أذلال الإنسان وتغيير قناعاته. 
سياق حكائي
السياق الحكائى مهيمن على ذاكرة الشاعر «عامر الساعدي» بما يتناسب مع الذات والواقع ليقدم رؤيته السردية التي تتموضع حولها الكثير من الحمولات الفنية والرمزية المعبرة عن قدرته في تجسيد الأبعاد الفلسفية والنفسية للجوع وتمظهراته المتعددة (لغوية، روائية، شعرية، رمزية، مجازية، فكرية)، هذه التمظهرات جسدت الرؤية الفلسفية للشاعر في أن هناك أزمة حضارية إنسانية، وخللاً أخلاقياً في البنية المجتمعية لها. 
العنوان كما يرى «رولان بارت» حقل دلالي عن قصدية النص، و (الخامسةُ .. جوعاً) عنواناً تجريدياً، ذو أنزياح أبداعي له دلالته وفق منظور سيميولوجي وجمالي ودلالي، وإشارة أولية للمتلقي، فهو غني بالدلالة الرمزية، الذي أتخذ شكلاً توظيفياً وقدرة تأثيرية على مجمل البنية النصية للمجموعة. والجوع في سردية الشاعر «عامر الساعدي» الشعرية أيقونة لها بعدها السيميولوجي الذي يتعدى به حدود الدلالة المعجمية، ووجودها اللغوي، وتوظيفه فنياً كثيمة شعرية بارزة ترتكز عليها المجموعة السردية.
مفردة الجوع
هذا الظهور المتعدد لمفردة الجوع، أختزل رمزية الجوع ودلالته الأجتماعية والسياسية، ورؤية الشاعر الفلسفية، المعبرة عن شاعريته وإنسانيته التي أوردها بحرفية منفتحة على وعي المتلقي.

جماليات فنية
أن للشاعر في مجموعته رؤيا سردية موحدة، وإن أحتوت على مضامين متنوعة، وعناصر متشعبة ومتباينة. فالوحدة الفنية لديه غنية في تنوعها، وفي لغتها الإبداعية والأسلوبية والتركيبية والدلالية، يستفز بها القارىء في حد ذاته. وقد أظهر في نصوصه السردية أنسجاماً وتوافقاً لغوياً وبنائياً في الدلالة والتشكيل. 
فالشاعر «الساعدي» نسج على شطآن الجوع نصوصه السردية المفعمة بالمشاعر والأنفعالات، فأثارت قريحته وكأنه يسمع أنين الجياع، فجاءت نصوصه لوحة تنبض بألم الجوع، وأظهره كائناً خرافياً، يفترس ضحاياه. 
في نظرة فاحصة الى نصوص المجموعة (الخامسة .. جوعاً) وجمالياتها الفنية، يظهر الشاعر كـ(ناقد أجتماعي)، يتناول مفاهيم أبعد من أن يوصف الجوع وصفاً مادياً فسيولوجياً، بل يطرحه كـ(قضية محورية) بصورته الرمزية المعبرة عن أزمة حضارة. تأخذ مستوى البناء الفني والأسلوب الخطابي المتعدد الرؤى، والأسئلة الوجودية التي تطلق في فضاء النص للوصول إلى القارئ، الذي يستنطق النص ويستنتج ببصيرته حقائق تلك المأساة وملامحها. فالشاعر «عامر الساعدي» يتبنى خطاباً سردياً متكاملاً، يمازج به بين الذاتية والموضوعية، وبين الرمز والصورة السردية المباشرة، ذات البناء السردي الحكائي الذي يعتمد رؤية لغوية في أساس تشكيل الصورة التي تحكم حالة الإبداع في النص، يسهم في ترسيخ الخطاب السردي في ذهن القارئ وأستقطاب وعيه.

رمزية الخبز
فالخبز رمز لكثير من الحضارات الإنسانية، ومادة رمزية دينية ذُكرت في الأديان السماوية وفي قصص الأنبياء. فقد جاء ذكره في ملحمة كلكامش الشعرية، في إشارة لأهمية رغيف الخبز وقدسيته في حضارة وادي الرافدين:(كل الخبز يا أنكيدو فهو عماد الحياة)، (وضعت خبز أمه أمامه فارتبك)، (أكل أنكيدو الخبز حتى امتلأ).
فـ(الرغيف أو الخبز) لفظة كُررت عنواناً لكثير من الأعمال العالمية والعربية الأدبية والروائية التي أخذت الاسم كرمز، كرواية (الخبز الحافي) للروائي «محمد شكري»، ورواية (بائعة الخبز) للروائي «كازافينيه دومونتبان»، ورواية (حزننا خبزنا) للروائي «مازن معروف»، ورواية (الرغيف ينبض كالقلب) للاديبة «غادة السمان»، ورواية (الرغيف) للروائي «يوسف عواد»، ورواية (خبز العائلة) للروائي «جون كلود رونار»، ورواية (الخبز القاسي) للروائي «بول كلوديل»، ورواية (كاسباً لقمة عيشي) للروائي «مكسيم غوركي»، وغيرها من الأعمال الأدبية. 
إن صورة « الخبز « تجسد كل شيء، وتحمل أبعاداً ودلالات متنوعة، ربما يكون رمزاً لإبداع الشاعر الشعري، أو توظيفاً دلالياً وبلاغياً وأسلوبياً. 
مجموعة الشاعر «عامر الساعدي»(الخامسة... جوعاً)، تميزت بعمق الرؤية، وسلاسة اللغة، وكثافة النص، فجاءت المجموعة معبرة عن تجربته الإنسانية، المتسمة بالنبرة الخطابية والقدرة على التأثير في المتلقي.


About Unknown

This is a short description in the author block about the author. You edit it by entering text in the "Biographical Info" field in the user admin panel.
«
Next
رسالة أحدث
»
Previous
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات:

Post a Comment


Top