"/> صباح الديوانية: ذاكرة،

صباح الديوانية العدد 739

يهود الديوانية ... لون من الطيف العراقي انطفأ بريقه

ولاء الغرابي
 تعود تسمية الديوانية ، الى المضيف أو القلعة التي أمر ببنائها الشيخ حمود آل حمد آل عباس رئيس عشيرة خزاعة، وقد تم بناء بيوت حول المضيف من قبل فلاحي الديوانية وخاصة من عشيرة خزاعة لاستقبال الضيوف مما اسهم في اتساع رقعتها الجغرافية وبزوغ نجمها وتشتهر المدينة بزراعة الشلب.
ويرجع تاريخ نشأتها الى عام 1747م ،كما ورد في كتاب (الديوانية قديما وحديثا) للمرحوم ودّاي العطية.
تاريخ اليهود
 ويعود الوجود اليهودي في العراق، الى الفترة التي جلبهم فيها الاشوريون كأسرى الى جبال كردستان، في القرن السابع قبل الميلاد؛ كانت الارامية القديمة المعروفة (بالترجوم) هي لغتهم ,اما الموجة الثانية من الوجود اليهودي في العراق فقد وصلت في عهد الامبراطورية البابلية الكلدانية، حيت قام الملك نبوخذ نصر بالقضاء على مملكة يهوذا، في حملته الثانية سنة 586 ق.م وسبي سكانها الى بابل، وكانوا يتكلمون الارامية (السريانية) ،ثم اقتبسوا لغة الكلدان ،ثم اللغة العربية.
اما الموجة الثالثة فقد كانت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب سنة (634 – 644م) وهولاء من العرب في لغتهم وقوميتهم ووطنهم .
عوائل يهودية
من اوائل العوائل اليهودية التي أستوطنت الديوانية ،عائلة موسى التي جاءت من الشمال سنة 1850م ،بعدها وصلت عوائل يهودية عدة منها :عائلة اسحاق موسى , وبيت حيران , وعائلة قوجمان , وعائلة شيث , وعائلة شاؤل راحيل , عائلة اسحاق صالح , عائلة ال شاهين , عائلة ابراهيم كوهين ,عائلة جيرة وعائلة ساسون معلم وغيرها .
   امتهنوا العديد من المهن كالبزازة و الصياغة والتجارة كتجارة الحبوب وخاصة الأرز.
وقد اشتهرت الشامية بأرز خلاصجي، الذي تنتجهُ أراضي اليهودي العراقي الياهو ساسون خلاصجي، اما عائلة ساسون معلم وابنائه (عزت وصالح) ،فقد امتلكت معملا لصناعة الطابوق تقدر قيمته انذاك بعشرة ملايين دينار، وهو أول معمل في الديوانية ،أما عائلة الياهو ساسون خضوري فقد انشأت أول معمل للثلج ومطحنة  للحبوب .
دورهم الاقتصادي
 لقد كان ليهود الديوانية دور مهم في شتى المجالات ،وخاصة الاقتصادية؛ حيث ذاع صيت خمس شخصيات يهودية في الديوانية وهم :سلمان ومنشي و حسقيل و ابراهام و عزر، وكان هؤلاء يتنقلون في نواحي الديوانية للأرتزاق، وكذلك شغلوا وظائف عدة في الدوائر الرسمية،  كما كان لهم دور في الحركات السياسية اليسارية والثقافية والعلمية ،ومن ينكر دور اليهود في نقل الأفكار التقدمية واليسارية والماركسية إلى العراق( التي تأثروا بها) اثناء  دراستهم وسفراتهم إلى الدول الأوربية؟؟؟
تعرض هذا اللون من الوان الطيف العراقي الى المضايقات والضغوط ،فقد اتهمت الانظمة السابقة في العهد الملكي والبعثي اليهود بأنهم الطابور الخامس داخل العراق، وأتهموا بالفارسية.
وقد تواطأت الحكومات مع الاستعمار، بصنيعة مؤامرة عالمية لتأسيس دولة اسرائيل عام 1948 م ، وقد واجه يهود العراق التهجير القسري والملاحقات والسجون واسقاط الجنسية العراقية، بقرار حكومة توفيق السويدي عام 1950 ،ولم يبق منهم في الديوانية أي فرد.
 فهم مهجرون لا مهاجرون ،لأنهم أكثر إخلاصاً ووطنية وحباً للعراق من الساسة.
تهجير قسري
لقد خسر العراق عامة والديوانية خاصة لتهجيره الرعيل الأول من مثقفي العراق ،الكثير من الأدباء والصحفيين والاقتصاديين والكفاءات في جميع مجالات الحياة العامة ،تؤكد سيرهم مدى إخلاصهم ونزاهتهم في العمل , فقد استأثر السياسيون اللاحقون بالسلطة وأشاعوا الخراب والفساد في دوائر الدولة، فالآن هدفهم تقسيم العراق إلى دويلات طائفية قومية , بينما العراق متعدد الأطياف, لم نعرف يوماً في حياتنا السابقة هذه الألفاظ الطائفية المقيتة ، كنا شعب نتعايش بوئام ومحبة عرب وأكراد ومسيحيين وصابئة ويهود , ولكن السياسات القومية والعنصرية الشوفينية والاسلاموية الحديثة وحاملي مشروع التقسيم الطائفي الأثني بدأوا بزرع العداء بين أفراد العراق الواحد.
فلو افترضنا عدم هجرتهم وبقائهم في العراق , لكان لهم الدور الأكبر في بناء العراق و لأستفاد أبناؤه من كفاءاتهم العلمية والاقتصادية .

أمسى العراق لعبة بأيدي أناس منتفعين من أموال العراق ولم يرأف شعورهم تجاه أبنائه, ولكنها السياسة الجاهلة والسلطات المتخلفة.

سوق الديوانية الكبير .. ذاكرة المدينة التي شاخت

من ارشيف اسواق الديوانية 

ثامر الحاج امين
الأمكنة واحدة من العناصر الفاعلة في مرحلة اكتساب المدن  هويتها التاريخية والثقافية ، ان لم تكن ـ احيانا ـ  أساساً في قيام المدن ونشأتها و ظهورها كمراكز تعج بالحيوية والنشاط ، ورغم تبدل وتغير معالم الكثير من هذه الامكنة نتيجة تأثرها بالتغيرات البيئية والحياتية ، الاّ أنها ظلت الذاكرة التي تحفظ للمدن جانبا من سيرتها وتاريخها .
معالم تراثية
و” سوق الديوانية الكبير ” واحد من المعالم التراثية المهمة في المدينة ، ويكتسب أهميته هذه لا من كونه يمثل المركز التجاري الرئيسي فحسب ، بل هو الشريان الذي يمتد في جسدها طولاً الى حيث قلبها النابض ذلك هو نهرها الجميل.
وتشير بعض المعالم التي ضمها السوق الى ان وجوده يمتد الى فترة تتجاوز القرن من الزمن، حيث يمكن الاستدلال من طريقة تشييد الجامع الصغير  ـ الذي يتوسط السوق ـ ذو الممر الطويل المفضي الى باحة كبيرة والذي اسسه الشيخ حمادي الرويلي عام 1868 الا ان السوق كان موجوداً قبل وجود الجامع  ، فضلا عن  ان السوق ومن جهة الشمال  ضم بناية ( التوراة ) التي ظلت قائمة حتى مطلع سبعينيات القرن الماضي و قبل ان تقوم سلطات النظام السابق بهدمها واقامة محال تجارية على أرضها .
ابرز وجوه السوق
لقد ظل هذا الأثر ـ السوق ـ والى وقت قريب يمثل صورة مصغرة لمكونات المدينة الاجتماعية حيث شغلت نشاطاته التجارية وجوه بارزة من رجالاتها فمنهم من امتهن  بيع الأقمشة  ومن بينهم الحاج امين البياتي ، محمود جمعه ، محمد اللبان ، حمدعبد العال ، مهدي الاطرقجي ، الحاج شعلان ، محمد جمعه ، علي العميشي ، الحاج فرمان ، عبد محيل ، حاتم مغامس ، الحاج ملاغي ، علي مهاوي ، محمد حطاب اضافة الى تجار من الأقلية اليهودية ومنهم سالم حسقيل  وناجي نوري عزرا الذي كان آخر اليهود الذين غادروا المدينة الى بغداد حيث نقل نشاطه التجاري اليها بعد منتصف الستينيات ،  كما ضم السوق مختلف الانشطة التجارية التي جعلت منه ممراً ومكانا تؤمه يومياً اعداد كبيرة من ابناء المدينة فتجد فيه المكتبات وابرزها مكتبة الجمهورية لحسين مشروطة ومكتبة مطرود ومكتبة سيد هاشم المكصوصي و الخياطون الذي برز من بينهم جاسم كرزول وعيدان عباده وعبد مظلوم واحمد سلطان الذي تخصص بخياطة التجهيزات الرياضية ، وكذلك الصاغة ومن بينهم الاخوين علي ومهدي الشمري و النجارون ، الحدادون ، وفرع الصفافير وبرز في هذه المهنة  آل الوحاش ومحمد علي صاحب والعطارون ومن بينهم الحاج ليو ورشيد الملا جوده وفيروز والحاج علق ، وكذلك الحمامات التركية اخذت حصة من قائمة هذا الاثر ،  وحتى علاوي الفواكه والخضر وجدت لها تحت سقفه ملاذا لعرض بضاعتها ومنها علوتي جلعاوي وعباس شامة .
مقاهي ادبية
 كما انتشرت على طوله المقاهي العديدة وتميزت من بينها مقهى ” الحاج سعيد ” الذى كان يجمع ادباء المدينة صباحا حيث شهد هذا المقهى ولادة الكثير من الاعمال الابداعية والرؤى والافكار ودارت فيه نقاشات ادبية وكان من ابرز رواده كزار حنتوش ، زعيم الطائي ، ثامر الحاج امين ، سلام ابراهيم ، منير ياسين ، عبدالرحيم صالح الرحيم ويوسف محمد علي ، كما جال في هذا السوق باعة  الأكلات الشعبية  ابرزهم كاظم الحمرة الذي اشتهر بتحضير الدوندرمة وكذلك حنش سلام في طاطليه اللذيذ وجاسم ستاوي في لبنه الرائب والضرير ابو مسلم في مشروباته التي كان يقوم بتحضيرها بنفسه وكاوي في كرزاته الشهيرة وكان لكل من هؤلاء الباعة طريقة خاصة في المناداة والترويج لبضاعته .
ذاكرة المدينة
لقد ظل السوق والى منتصف السبعينيات الذاكرة التي حفظت للمدينة جانبا واسعا من سيرتها وتاريخها ، ولكن هذه الذاكرة لم تعد تحتشد بكل هذه المعالم والشخصيات ، فقد تأثرت بعوامل التغيير التي نالت جانبا منها وجعلت من الباقي مهدداً بالزوال نتيجة الاهمال وغياب الحس بأهمية هذه المعالم وقيمتها التاريخية كثروة وطنية تمثل ماضي المدينة وارثها الثقافي الغالي .


لمحات من طفولة مدينة الديوانية عروس الفرات

 ثامر الحاج امين

يبقى هاجس الكتابة عن المدن محفوفاً بالخوف والتردد والشعور بالتقصير إزاء ماقدمته من عطاء باذخ عبر سنوات نشأتها وبزوغها كوجود قائم ، حيث لابد ان تعيش هذا الهاجس وانت تشرع بالكتابة عن مدينة مثل  "الديوانية"، المدينة الفراتية التي عرُفت بإرثها الثقافي والاجتماعي والوطني ، والتي قدمت للحركة الوطنية ولمسيرة الإبداع العراقي عبر أجيال متعددة أسماء مهمة ومؤثرة ، وماتزال الى اليوم ترفد الساحة العراقية بعطائها المتميز في الحقول الإنسانية والمعرفية .
نرجسة القلب الضائعة
وقد شاركني هاجس التردد في الكتابة عنها ابن المدينة القاص "زعيم الطائي" عندما كتب عنها واصفا اياها بـ "نرجسة القلب الضائعة" حيث يقول: ( أجلس الآن بعد انتهاء نصف قرن متردداً في الكتابة عنها ، يتملكني الشك في أن اتمكن من استعادة عبء تلك الحوادث والمشاهد والرؤى التي تقلبت في ذاكرتي مع عجلة سحق الأيام .. وسأكتشف لأول مرة ان الزمن لايجري وفق أية قاعدة ، أو كأنني أطل على مدينتي من وراء الزمن ، فهذه المدينة ليس لها واقع جغرافي حقيقي، بل ان واقعها الحقيقي ليس مهماً البتة ، فما يعتبر ممكناً هو نسبية وجودها في الممكن دون ان تكون لوجودها شواهد كثيرة او ارتباطات او دلالات على ذلك الوجود المنزلق نحو زاوية العدم والغياب.
كما ويذكر ابنها الآخر القاضي والكاتب زهير كاظم عبود ان اسباب اصدار كتابه  (أوراق من ذاكرة مدينة الديوانية)  تعود الى ( ان أحداً لم يلتفت الى روحها التي يعرفها من ذاق طعم أيامها ،وملأ رئتيه بعبق أريجها وحرارة أيام قيظها وامتلأ صدره بترابها وعاش في أزقتها ومحلاتها الشعبية وتعايش مع شخصياتها.
بلدة السور
قد تكون طبيعة الحياة الاجتماعية التي عاشتها هذه المدينة في عقود مضت والقائمة على الطيبة والتسامح والتآخي التي سادت بين مكوناتها الاجتماعية والدينية والمذهبية هي وراء حالة الاستقرار الذي يعد عاملا أساسياً في إنعاش مظاهر حياة المدن ثقافياً واجتماعيا ً. لقد نالت الأمكنة في هذه المدينة اهتماماً ومساحة كبيرين في كتابات الباحثين والمؤرخين لما شكلته من اسهام واسع في الفاعلية الاجتماعية، ودلالة غائرة في إرث المدينة وذاكرتها ، بعض هذه الأمكنة ظل حاضرا في الذاكرة الشعبية كياناً او مسرحاً للغريب والعديد من القصص، والبعض الآخر وبفعل تقادم الزمن ومتطلبات الحياة الجديدة لم يعد لها وجود الاّ في ذاكرة الشيوخ وأحاديث العجائز والقليل منها مازال يقاوم عوامل التغيير بقوى منهكة .
تقول ذاكرة الباحث المحامي "حسين علي الحاج حسن : انه بين الأعوام 1802 ــ 1830 م برزت الديوانية كبلدة ذات سور يمتد من ضفة الفرات شمالاً في موضع هو اليوم بناية مديرية التربية في الديوانية ليمتد شرقاً في نصف دائرة تتوسطها بوابة هي باب الدغارة ، في موضع هو الآن في آخر سوق التجار الكبير ثم ينعطف نحو الجنوب الشرقي لينتهي عند النهر في موضع المستشفى الجمهوري القديم .
أول جسر خشبي
ويذكر الباحث بعض الحوادث المهمة في تاريخ المدينة فيقول ( إن أول جسر أنشئ فيها عام 1818 في عهد الوالي داود باشا على يد خادمه المسمى "صالح الكردي"  حيث نصب جسراً خشبياً في نفس الموضع الذي يقوم عليه الآن الجسر القريب من بناية المحافظة وقد نصبه نجار من أهل الحلة يدعى "ادريس".
وظل هذا الجسر يسمى باسمه حتى زواله في العشرينيات حين أقام الميجر "ديلي" عام 1917 جسراً جديداً مجاوراً لمدرسة الرشدية، هو الجسر المؤدي الآن الى شارع الصيادلة وقد سمي باسم جسر ديلي .
كما يؤرخ للتعليم في هذه المدينة فيثبت انها شهدت عام 1899م بناء أول مدرسة ابتدائية اسمها "الرشدية" التي ظلت بنايتها قائمة الى عام 1940 ( أنشأها العثمانيون وموقعها على النهر وكان من مدرّسيها السيد هاشم النبوي ، ومن طلبتها الحاج أحمد الأسدي وعبد الحميد الحاج حسن والحاج حسين العبدلله وناجي الصالح.
"برنو باشا" أول سيارة
ويؤرخ الباحث لبداية حركة المدنية وظهور الصناعة والتكنولوجيا في هذه المدينة من خلال ظهور أول سيارة في شوارعها، تلك التي حملت اسم برنو باشا قائد الجيش العثماني الذي َقدِمَ الى الديوانية لتفقد الجيش العثماني فيها، حيث يذكر حادثة رافقت هذا الحدث التاريخي تؤرخ لواحدة من محاولات المدينة مقاومة ورفض وجود الأجنبي على أرضها :( ولدى حضور القائد العثماني الحفل الذي أقيم لاستقباله من قبل الأهالي تقدم شخص يرتدي "زويني" ممزقاً بالغ الرثاثة وهو يحمل "بشتاوة" صّوبها نحو صدر القائد العثماني وهو يصيح "لاحكم الا لله" ثم اطلق النار عليه غير انه لم يصَب بأذى وسيق الفاعل الى محكمة عسكرية شكلت فورا ً، غير ان المحكمة التي ترأسها ضابط عثماني يدعى "عبدالله جدوع" برّأت ساحة المتهم لعدم مسؤوليته الجنائية بعد ثبوت جنونه.
سينما آل فؤاد
للديوانية أيضا تاريخ في صناعة واستعمال الأختام التي كان يستخدمها الناس في التواقيع على العقود والوثائق فكان أقدم ختم صنعه المدعو "بشتي حسين" عام 1862 م إضافة الى اجادته الخط وكتابة الشعر حيث اتخذ له محلاً لصناعة الأختام عند مدخل السوق الكبير حالياً ،كانت أيضا سبّاقة في دعمها وترويجها للفنون. فقد شهدت عام 1936 انشاء أول دار للسينما هي سينما " فؤاد "  انشأها السيد عبد المجيد السيد صالح فؤاد في الجانب الغربي من المدينة قريباً من مدخل الفرقة العسكرية وبقيت بنايتها قائمة حتى السبعينات. ومن الطريف يذكر الباحث الحاج حسن انه ( عند قدوم الوصي على عرش العراق في شهر مايس من عام 1941 الى الديوانية هارباً من مضايقات الكيلاني وضباطه المؤيدين له واتخذ من دار قائد الفرقة عبد الهادي الراوي مقرا له ، رفعت سينما "فؤاد" لافتة كتب عليها بيت الشعر التالي :
رفعت أعلام بشرى    سينما آل فؤاد
ياوصي العرش أهلاً    بك في هذي البلاد
" إذا خسرتك شلي بالمال"
وعن حياتها الاجتماعية ، فقد ضربت المدينة مثالاً رائعاً في التعايش والتآخي والتسامح وثقافة قبول الآخر بين مكوناتها المتعددة حيث عاشت في خمسينيات القرن الماضي حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي بسبب الألفة التي سادت بين هذه المكونات دون تعصب حيث جمعتها قيم الإيثار والعفو والإحسان دون تفريق بين دين او مذهب أو قومية. وفي هذا الحقل يذكر القاضي زهير كاظم عبود في كتابه " أوراق ... " حادثاً وقع أيام حملة تهجير اليهود من العراق مطلع خمسينات القرن الماضي فيقول: ( عندما قام أحد يهود الديوانية بطرق باب جاره المسلم الفقير واخبره بأن كل ممتلكاته سيصادرها النظام الذي أمر بتهجيره ورجاه أن يأخذ منه وعن طيب خاطر أثمن مالديه من نفائس ، راح المسلم يلطم على رأسه ويقول "إذا خسرتك شلي بالمال" ففضل الفقر النبيل على الثراء بنذالة .
كما كان لليهود مكان للعبادة " التوراة " يقع في نهاية سوق التجار وكذلك مقبرة ظلّا شاهدين على روح التسامح التي كانت عليه الديوانية الى ان تم هدمهما وإزالتهما عام 1970، بهذا الخلق وبهذه الروح النبيلة ردم الديوانيون الهوة بين مكونات المدينة وانقذوها من الأحقاد والصراعات والشد في العلاقات الاجتماعية .
الدكتورة الشهيرة " ماهي كجه جي "
شواهد كثيرة تكشف عن طيبة هذه المدينة التي عاشت في محلاتها العوائل من مختلف الديانات لحمة واحدة لم يفرقهم دين أو مذهب، حيث يحدثنا الكبار ان جارتنا المندائية كانت تنادي وراء ولدها عند ذهابه لقضاء أعماله ( محروس بالله وبعلي بن ابي طالب ) وترش الماء عند عتبة الدار مثلما تفعل جارتها المسلمة ، كما تذكر الروائية "انعام كجه جي" في روايتها الاخيرة "طشاري" جانباً من واقع الديوانية الاجتماعي حيث أرخت في هذه الرواية لسنوات من حياة عمتها ابنة الموصل الدكتورة المسيحية الشهيرة "ماهي كجه جي" التي قدمت الى الديوانية في منتصف خمسينيات القرن الماضي ولم تصدق انها سوف تبقى فيها اكثر من ستة أشهر وذلك لشدة فقرها وشعبيتها، ولكنها بمرور الزمن أحبت ناسها وشاركتهم أفراحهم وأتراحهم فأحبتهم وأحبوها، وعاشت هذه المسيحية في مجتمع مسلم معزّزة مكرّمة ، وكانت سنوات الدكتورة "ماهي" في الديوانية هي عماد الرواية المذكورة ، وشاهد آخر على تعايش ابنائها بمختلف مذاهبهم هو جامع "أبناء العامة" الذي مايزال قائماً الى اليوم يشمخ بمنائره وسط محلة شعبية يمثل مجتمعها المذهب الآخر.
بالتأكيد ان هذه السطور لايمكن لها ان تلم بكل ماشهدته المدينة من شخصيات وحوادث وأمكنة كان لها الأثر في بلورة هوية تميزت بالطيبة والعطاء والتسامح ، ستكون لها صفحات اخرى منفردة شخوصاً وأمكنة أثيرة تركت آثارها في ذاكرة الديوانية أفراداً ومجمتعاً ومدينة.



من ذاكرة الديوانية...تظاهرة احتجاجية اثناء الزيارة الاربعينية



  • حاكم الحداد

اعتاد الالاف والملايين من اهالي الديوانية منذ القديم ان يحيوا زيارة الاربعين لمرقد ابي عبد الله الحسين «ع» لاجل احياء دين جده محمد «ص».
وكان ذلك من خلال المواكب العديدة التي انشأها اهالي الديوانية مثل موكب السراي وموكب الجديدة وموكب الحاج صاحب عكموش وموكب الحاج جعفر ، كما اسست في الستينيات من القرن الماضي العديد من المواكب مثل موكب الخبازين والخياطين والبنائين والسوق ، ناهيك عن عشائر الديوانية والتي كان لها مواكبها الخاصة والتي تحمل اسماءها ، وكان يسبق هذه الزيارة اجراءات عديدة من قبل المواكب وهي تأجير المنازل لهذه المواكب لأجل ايواء الزوار واستصحاب المواد الغذائية  والمواشي لأجل اعداد الطعام لهم .

الشعبة الخاصة

وفي العام 1952 وقبل حلول موعد الزيارة ، استشعرت السلطة انذاك الخطر فأرسلت الشعبة الخاصة « جهاز الامن آنذاك» على الحاج اسماعيل الحاج خليل البو سليمان وهو احد الشخصيات الاجتماعية المعروفة في الديوانية للتباحث معه حول ايجاد شخصية تكفل عزاء أهالي الديوانية في زيارة الاربعين في كربلاء ، وذلك لأجل المحافظة على الأمن والهدوء والسكينة وعدم استغلال هذه المناسبة بطرح شعارات ومطالب سياسية او توجيه النقد للسلطة والتشهير بها فهم الحاج اسماعيل مقصدهم ، فقال لهم : انني اتشرف لو وافقتم وجعلتموني انا الكفيل واتعهد لكم بأنه لن يحدث شيء يذكر ، فوافقت الشعبة الخاصة واخذت منه تعهداً خطياً بذلك .

تظاهرة أحتجاجية
وفعلاً اخذ الزوار من ابناء الديوانية يتوافدون على مدينة كربلاء لاحياء هذه المناسبة العظيمة ، ولكن يبدو ان الحزب الشيوعي أعد العدة في هذه المناسبة والخروج ليس بعزاء كما هو المعتاد وانما كانت النية هي الخروج بتظاهرة ضخمة ذات غطاء ديني واستغلال هذه المناسبة للتنديد بالحكومة واجراءاتها وعمالتها للاجنبي وعدم رعاية مصالح الشعب الحيوية .
وفي لقاء مع الحاج مسلم الشمري ذكر فيه : انه تم حضور حسن عوني الى كربلاء خصيصاً للاشراف على هذا الامر .

ادانة النظام
تجمع ابناء الديوانية في حسينية محلة السراي في اليوم المخصص لخروج عزائهم ، وبادر المرحوم « عزيز ناصر « و» وحسن الشيخ كاظم بقصيدة شعبية تدين وتعري النظام وتتهمه بالاهمال والتقصير وعدم مراعاة مصالح الشعب ناهيك عن الاعتقالات والسجن والتشريد بحق القوى المناهضة لهذه الحكومة ، وقاموا بتسليم هذه القصيدة الى الشيخ خليل الشيخ ابراهيم ابو المناخل ، ورجوه ان يقرأها من على المنبر الموجود وسط الحسينية ، فاخذ الشيخ القصيدة وصعد المنبر وسط تهليل وتكبير الزوار ، واخذ صوته يصدح بهذه القصيدة النارية التي كتبت بدقة ألهبت الحماس في نفوس المعزين ، وبعد انتهاء الشيخ من القراءة اصبح الجو مشحون تماماً ، فوزعت الترانيم « الردات « والتي هيأت مسبقاً من قبل الشاعر « ثامر كريم العزيز» الذي ما ان يقرأ احداها حتى تتلقفها الحناجر وهي تهتف بها بحماس حيث تقول احداها:
نهبوا نفطنه
هلكوا شعبنه
أهل الكراسي
بن آل امية


هتافات مؤثرة

وعلى اثرها ، خرجت الجموع من الحسينية على شكل مجاميع ، وحناجرها تهتف بهذه الكلمات الفاضحة للنظام واركانه ، وكان زوار كربلاء من مختلف انحاء العراق ، يترقبون كل عام عزاء الديوانية نظراً لما يطرح فيه من ردات قوية ومؤثرة ، فكيف بهذا العزاء وقد تحول الى تظاهرة عراقية احتجاجية كبرى ، واخذ الزائرون بالانضمام اليها تدريجياً خاصة وانها جاءت بعد تأميم النفط في أيران من قبل مصدق....
ها ها .. اصح ينايم تتناهب استهلاك
ها ها .. اصحه لزمانك مية بالمية
ها ها وانظر لأيران
وحين رأى الحاج اسماعيل الحاج خليل هذه التظاهرة الضخمة هز يديه وهو يقول « خوش كفيل .. وخوش كفاله» ولم يزد على ذلك شيئاً ، أذ لم يكن بمقدروه او اي شخص اخر من ايقاف هذا الهيجان الشعبي الذي انفجر بهذا الشكل الخطير الذي ينذر بالخطر وقد اصبحت التظاهرة اكبر مما بدأت ، حتى انها شملت كل المدينة ، الامر الذي عقد الوضع وجعل القوات الحكومية تتخبط وتضرب اخماساً بأسداس ، لكنها لم تتدخل في شيء ، بل بقيت حيادية ، مع اقصى درجات الحيطة والحذر.

هوسة
دخلت التظاهرة الضخمة مرقد الامام الحسين «ع» ثم خرجت وسارت بأتجاه مرقد الامام العباس «ع» وكان المرحوم الشاعر ثامر كريم العزيز بين الفينة والاخرى يلقي « هوسة « جديدة اشد بلاغة من سابقتها ، والتي يتلقفها مباشرة المتظاهرون بعده.
 بعد خروج التظاهرة من مرقد الامام العباس «ع» وقرب انتهائها يتقدم المرحوم « علي الطوبجي « ويقف مع مجموعة من وجهاء الديوانية وهو ينادي المتظاهرين الزوار قائلاً : (هله بالنشامه .. هله بالحسينيين .. هله ..) وكانت هناك مجموعة من ( الشقندحية) الذين يحبون السخرية والمعابثة ، فالتفوا حوله وهم يرددون قائلين في ترنيمة تحاكي في كلماتها وطريقة القائها بعض الردات حيث كان يتواجد بالقرب منهم افراد الشرطة بكثرة ، فارادوا بذلك تشتيت الانتباه عن المتظاهرين فقالوا بصوت واحد :
ياعلي الطوبجي
الك عاصمة بغداد
من الكلجيه
لحد الزويه
صوب الزغير مو الك
للسرسريه
وحين سمع علي الطوبجي هذه الترنيمة الغريبة خرج عن طوره وخلع عقاله وبدأ يضرب الشباب الذين رددوها فهربوا منه وهم يضحكون ... اذ انتهت المظاهرة نهاية سعيدة وخلت من الخسائر ومرت بكل يسر وسهولة .

ثلاث موضوعات من تاريخ الديوانية




  • نبيل عبد الامير الربيعي

حتى عام 1921 لم تكن في منطقة الديوانية حقول او بساتين, وكان من اوائل المزارعين الذين غرسوا الاشجار الحاج حسان آل عبدالله, فقد سافر ذات مرة الى العتبات المقدسة في مدينة كربلاء وهناك تعرف على أحد الخبراء الزراعيين هو كاظم الهادي، فأتفق معه لعمل البستنة عام 1923، فبذل قصارى جهده لجمع المغروسات النادرة في العراق، وبعد أن اثمرت بساتينه تعرف الناس على اعماله المباركة التي استحقت الاطراء والاعجاب.

زراعة الكوجرات
وفي احدى الأيام كان عزت معلم في زيارة إلى بيت كاظم الهادي، فروى له بأن أحد معارفه قدم من ايران فجلب معهُ كهدية كمية من الشاي المعروف بشاي الكوجرات, فشهدت وهو أشبه بجوزات صغيرة في اطرافها اوراق حمراء, فاقتطع كاظم بعض هذه الأوراق وشرع في طبخها، وبعد عشر دقائق قدم لضيوفه من هذا الشاي, فنال الشاي الجديد اعجاب جميع الحضور بطعمه – الحامض – اللذيذ ولونه الاحمر الياقوتي.
وقد انتظر كاظم موسم زراعة هذا الشاي، وما أن اقبل ايلول من عام1929 حتى عمل على زرع جوزات الشاي فنجح في زراعته ايما نجاح، وقد اشترك عزت معلم في زراعة هذا الشاي 

معسكر الفرقة الاولى
في عهد متصرف الديوانية مصطفى بك العمري الذي تمّ تعيينه في شهر شباط عام 1930م ونقل منها في 15 شهر آب عام 1933م, وفي زمانه بوشر ببناء دار الحكومة الجديدة سنة 1932م (بناية متصرفية الديوانية القديمة) وعلى الجانب الأيسر من ضفة نهر الفرات والذي تم بناؤه عام 1935م, وكذلك أنشأت بناية (الثكنة) العسكرية والمستشفى العسكري والنادي العسكري على الجانب الأيمن من ضفة نهر الفرات , وكما تم تأسيس الثانوية للبنين في أواخر أيامه عام 1933م  يعني من هذا أن مقر الفرقة العسكرية الأولى قد تم أنشاؤها عام 1935م, في مايس عام 1941م وفي أثناء حركة رشيد عالي الكيلاني كانت بوابة مقر الفرقة قرب محطة القطار القديمة وقد شاركت فرق الفتوة التي تشكلت من طلاب الثانوية وعناصر الجيش بالدفاع عن المدينة, حتى أنتهاء الحركة وعودة الوصي ونوري السعيد للحكم في يوم الثاني من حزيران 1941م , تَمّ أسقاط طيارة عراقية في موقع الفرقة بطريق الخطأ من قبل عناصر الجيش توفى على أثرها أحد الطيارين ونجا الآخر وهو من عائلة الصباغ, وقد ذكرت ذلك في موضوع حركة رشيد عالي الكيلاني بعد نهاية الحركة والقضاء عليها وهروب قادتها إلى إيران.
كانت مساحة الفرقة تمتد من مركز المدينة إلى طريق الحمزة الشرقي, كما تحتل مخازن السلاح ومراكز التدريب والوحدات العسكرية الأخرى مساحات خارج منطقة مقر الفرقة الأولى, وكانت أمريةالفرقة تقوم بالمهرجانات والاستعراضات في داخل المدينة بمناسبة 6 كانون الثاني يوم تأسيس الجيش العراقي, فضلاً عن ألعاب الساحة والميدان وفريق كرة السلة والطائرة داخل ملاعب الفرقة الأولى, ضمن فريق الطائرة كان يلعب الشهيد محمود ناصر, الذي رفض الانصياع للالتزام العسكري فأصبح هارباً ملاحقاً من قبل الجيش والشرطة.

الصحف الصادرة
تأخر كثيراً في مدينة الديوانية صدور صحيفة أو مجلة, ولكن كانت تصل المدينة مجلات وكتب عربية باستمرار منها (كتاب الهلال, مجلة اقرأ, مجلة الآداب, مجلة الأديب, مجلة الرسالة, مجلة المقتطف), فقد كانت تصدر مجلة مدرسية لبعض المدارس الابتدائية والثانويات تسمى الكشافة المدرسية, تنشر فيها نشاطات المدرسة الشهرية في مجال الشعر والمسرح والخطابة والرياضة ومسابقات الفرق الرياضية وكلمات لبعض المعلمين والمدرسين والطلبة, وقد ذكر المحامي الأستاذ حسين علي الحاج حسن الخفاجي في محاضرة له إذ قال :”صدرت اربع جرائد علنية في الديوانية خلال المائة عام الماضية هي جريدة (الفضيلة) التي اصدر منها السيد عبد الحميد صالح عدداً واحداً عقب احداث مايس عام 1941م, ثم جريدة (الديوانية) التي اصدرها المحامي رفيق العصامي, وبعدها أصدر جريدة الشعاع , كان يمارس عمله كمعلم ثاني في بعقوبة سنة 1325هـ/ 1907م ثم انتقل إلى الحلة كذلك مدرساً, ثم انتقل إلى الكاظمية معلم أول سنة 1327هـ/ 1909م, ثم إلى المدرسة النموذجية في بغداد جانب الكرخ, وبعد الاحتلال جاء إلى الديوانية كاتب حاكم سياسي مع صالح الملي سنة 1336هـ/ 1917م , ومنها مدير مالي إلى السماوة ومفتش مالي بالرميثة عندما كانت الرميثة لواءً سنة 1337هـ/1918م ويتبعها السماوة والشنافية ومنها إلى الديوانية مفتش مالية سنة 1338هـ/ 1919م , وأخيراً زاول عمله كمحامي عام 1940م ومديراً للمالية في مدينة الديوانية ووظائف أخرى، وقد صدر منها عدد واحد ايضاً, وكلا الجريدتين مما أوحى بإصداره ميجر ميدMeed ضابط الارتباط السياسي البريطاني في لواء الديوانية يومذاك, ثم جريدة (الحصون) التي اصدرها من السماوة شخص لا اتذكر اسمه, ثم جريدة (نهج الأهالي) التي اصدرها المحامي محمد عبد المصحب عام 1961م لتأييد الحزب الوطني الديمقراطي. وكان حظ الديوانية من المجلات أوفى , فقد صدرت فيها خلال هذا القرن, فهناك مجلة (المعهد) ثم جريدة (القبس) وقد اصدرهما معهد اعداد المعلمين, ثم مجلة (النفير) التي اصدرتها الفرقة الأولى للجيش , ثم مجلة (الفكر) التي اصدرها محافظ سابق للديوانية, ثم مجلة (التراث الشعبي) التي اصدرها حسين علي الحاج حسن”, ومن خلال كتابات المحامي محمد عبد المصحب صاحب امتياز جريدة (نهج الأهالي) التي طالب فيها بتقديم الخدمات الصحية والتعليمية والعمرانية وبعض المشاريع الإصلاحية الضرورية وإلغاء الوضع الاستثنائي وإطلاق الحريات وتطبيق الحياة الدستورية, وجريدة (نهج الأهالي)جريدة أسبوعية تصدر في الديوانية, أما رئيس تحريرها فهو المحامي موجد الحاج حمود وقد تخرج كل منهما من كلية الحقوق العراقية عام 1951م , وللمحامي محمد عبد المصحب عدّة مقالات في مجال الديمقراطية ومؤيداً لحل المسألة الكردية ومباركاً لخطوة التأميم 
الخالدة.
⇧
Top